محمد طاهر الكردي

280

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وقد دلت حياته في المدينة على أنه لم يسع قط إلى الملك والسلطان في الأرض ، بل الملك هو الذي سعى إليه ، فأتيح له أن يبين لملوك الأرض أن الأموال العامة أمانة مقدسة يجب صرفها في وجوه مصالح الرعية ، لا في تحصيل الشهوات واللذات الشخصية ، إذ كان صلى اللّه عليه وسلم زاهدا في الدنيا ، متقشفا في معيشته - يلبس ما وجد ، ولا يسأل أهله طعاما إن أطعموه أكل ، وما أطعموه قبل ، وما سقوه شرب ، ويجلس حيث ينتهي به المجلس ، إما على حصير ، أو على بساط ، أو على الأرض ، وكان يأكل الشعير غير منخول ، ويلبس القميص مطلق الأزرار . وكان بطبعه يعرض عن زينة الحياة الدنيا ، ويكره الشهرة في اللباس . ومن المسلم به أنه لا رهبانية في الإسلام ، ومن أجل ذلك أحل النبي صلى اللّه عليه وسلم زينة اللّه ، والطيبات من الرزق ، وكان هو نفسه يتمتع بهما تشريعا لأمته ، ولكنه مع ذلك كان لا يميل إلى رغد العيش ولا يرغب في النعيم والترف ، بل نهى الناس عنه ؛ لأنه يدخل الوهن في قلوب الرجال . يروى أن رجلا أضاف علي بن أبي طالب ، فصنع له طعاما ، فقالت فاطمة : « لو دعونا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكل معنا . فدعوه ، فجاء ، فوضع يده على عضادتي الباب ، فرأى القرام قد ضرب به في ناحية البيت فرجع ، فقالت فاطمة : الحقه فانظر ما رجعه ، فتبعته ، فقلت : يا رسول اللّه ما ردك ؟ فقال : « إنه ليس لنبي أن يدخل بيتا مزوقا » ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « فراش للرجل ، وفراش لامرأته ، والثالث للضيف ، والرابع للشيطان » . وكان صلى اللّه عليه وسلم يحب دائما ما خشن من الثياب ، وما غلظ من الكساء ، وما رث من اللباس ، لما طبع عليه من التواضع والتذلل ، وهضم حظوظ النفس . وكان من رأي عمر رضي اللّه عنه أن يلبس النبي صلى اللّه عليه وسلم الثياب الفاخرة عند استقبال الوفود والسفراء ، وغيرهم من كبار الرجال ، فوجد حلة إستبرق تباع في السوق ، فأتى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ابتع هذه الحلة ، فتجمل بها للعيد وللوفود ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة ، وكان يلبس عادة كساء ملبدا ، صنع من الصوف ، وفيه نزع روحه الشريف صلى اللّه عليه وسلم . ودخل عمر رضي اللّه عنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو معتزل في المشربة ، فإذا هو متكئ على حصير ما بينه وبينه شيء ، قد أثر في جنبه ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها ليف ، فأدنى على إزاره ، وليس عليه غيره ، ونظر